معظم النزاعات التجارية التي تصل إلى المحاكم كانت قابلة للتجنب بسطر واحد أوضح في العقد. فالعقد الجيد لا يكتب ما اتفق عليه الطرفان في يوم الوئام فحسب، بل يجيب مسبقاً عن السؤال الأصعب: ماذا يحدث إذا ساءت العلاقة؟ ومن هذه الزاوية ينبغي أن ينظر المحامي إلى كل بند يصوغه.
قبل أن تبدأ الكتابة: افهم الصفقة
أخطر ما يقع فيه المحامي أن يبدأ من نموذج جاهز قبل أن يفهم الصفقة. فعقد التوريد يختلف عن عقد الخدمات، وعقد التوزيع الحصري يختلف عن عقد الوكالة التجارية، ولكل منها مخاطره الخاصة. لذلك يحسن أن يعقد المحامي جلسة مع الموكل يحدد فيها:
- الهدف التجاري الحقيقي من العقد، وما الذي يعدّه الموكل نجاحاً.
- أهم ثلاثة مخاطر يخشاها الموكل، كتأخر التسليم أو عدم السداد أو تسرب المعلومات.
- موقع الموكل التفاوضي، وهل هو الطرف الأقوى أم الأضعف في العلاقة.
- الأنظمة الخاصة التي قد تحكم النشاط، كالأنظمة القطاعية أو متطلبات الترخيص.
والإطار العام لهذه العقود في المملكة هو نظام المعاملات المدنية وما يتصل به من أنظمة تجارية، وفي قطر القانون المدني والقوانين التجارية ذات الصلة. ومعرفة القواعد الآمرة في هذه الأنظمة ضرورية، لأن أي بند يخالفها قد يُعد باطلاً مهما كانت صياغته محكمة.
البنود التأسيسية: من، وماذا، وبكم؟
تعريف الأطراف وصلاحية التوقيع
يبدو هذا البند بديهياً، لكنه مصدر متكرر للمشكلات. فينبغي ذكر الاسم النظامي الكامل للمنشأة كما ورد في سجلها التجاري، ورقم السجل والعنوان الوطني، وتحديد ممثلها والتحقق من صلاحيته للتوقيع وفق عقد التأسيس أو التفويض. فالعقد الذي يوقعه شخص لا يملك الصلاحية قد يفتح باباً للطعن في التزام المنشأة به.
محل العقد ونطاقه
يجب وصف المحل وصفاً دقيقاً قابلاً للقياس: المواصفات، والكميات، ومعايير الجودة، ومستويات الخدمة. ويُستحسن إرفاق ملحق فني مفصل يُنص على أنه جزء لا يتجزأ من العقد، مع تحديد أيهما يُقدَّم عند التعارض بين صلب العقد وملاحقه.
المقابل وطريقة السداد
حدد المبلغ والعملة، وهل يشمل الضريبة أم لا، ومواعيد السداد وشروطه، كربط الدفعات بمراحل إنجاز محددة أو بشهادات استلام. ولا تغفل النص على أثر التأخر في السداد، كحق تعليق التنفيذ أو الفسخ بعد إنذار.
البنود الحمائية: إدارة المخاطر
الضمانات والإقرارات
يُقر كل طرف بأمور جوهرية تقوم عليها الصفقة، كسلامة الترخيص وملكية الحقوق وخلو البضاعة من العيوب. وقيمة هذه الإقرارات أنها تحدد بوضوح ما يترتب على عدم صحتها.
الشرط الجزائي
يتيح الشرط الجزائي الاتفاق مسبقاً على مقدار التعويض عند الإخلال، فيوفر على الطرفين عناء إثبات الضرر ومقداره. لكن ينبغي الحذر من المبالغة؛ إذ تمنح الأنظمة المدنية الحديثة القاضي في الغالب سلطة تخفيض التعويض المتفق عليه إذا كان مبالغاً فيه، أو عدم الحكم به إذا ثبت انتفاء الضرر، فتحقق من القاعدة في النظام الواجب التطبيق. والأفضل أن يكون الشرط الجزائي متناسباً ومبرراً بتقدير معقول للضرر المحتمل.
تحديد المسؤولية
يلجأ الطرف المورد عادة إلى وضع حد أقصى لمسؤوليته واستبعاد الأضرار غير المباشرة. وعلى المحامي أن يتذكر أن الإعفاء من المسؤولية عن الغش أو الخطأ الجسيم لا يصح في الأصل، فلا يُعتمد على صياغة واسعة قد تسقط برمتها.
السرية وحماية الملكية الفكرية
حدد ما يُعد معلومات سرية، ومدة الالتزام بالسرية بعد انتهاء العقد، والاستثناءات المعتادة كالإفصاح بأمر قضائي. وفي عقود التطوير والخدمات الإبداعية، حدد صراحة من يملك المخرجات وحقوق الملكية الفكرية المترتبة عليها.
القوة القاهرة
لا تكتفِ بعبارة عامة؛ بل عرّف القوة القاهرة، واذكر أمثلة لها، وحدد إجراءات الإخطار ومدته، وما يحدث إذا امتد الحدث لفترة طويلة، كحق أي طرف في إنهاء العقد دون تعويض.
بنود الخروج وتسوية النزاع
هذه البنود هي التي تُقرأ بعناية حين تسوء العلاقة، لذلك يجب أن تكون أوضح بنود العقد:
- مدة العقد وتجديده: هل يتجدد تلقائياً؟ وما مهلة الإخطار بعدم التجديد؟
- الإنهاء: حدد حالات الإنهاء للإخلال الجوهري بعد إنذار ومهلة تصحيح، وحالات الإنهاء للملاءمة إن وُجدت، وآثار الإنهاء على المستحقات والتسليمات.
- القانون الواجب التطبيق: نص صريح على النظام الحاكم يجنب نزاعاً مسبقاً حول القانون.
- جهة الفصل في النزاع: القضاء المختص أو التحكيم. وإذا اخترت التحكيم، فحدد مقره ولغته وعدد المحكمين وقواعده أو المركز الذي يديره، وراعِ متطلبات نظام التحكيم في المملكة أو قانون التحكيم في المواد المدنية والتجارية في قطر.
- الإخطارات: حدد عناوين الإخطار ووسائله، بما فيها البريد الإلكتروني، لأن الإخطار الصحيح شرط لكثير من الحقوق.
لغة العقد: صياغة تمنع التأويل
لا تقل جودة الصياغة اللغوية أهمية عن اختيار البنود نفسها، فالقاضي أو المحكم سيقرأ العقد بعد سنوات من توقيعه، وربما دون معرفة بسياق التفاوض. ولذلك يحسن الالتزام بقواعد أسلوبية بسيطة:
- استعمل صيغة الالتزام الصريحة مثل «يلتزم الطرف الأول بـ» بدلاً من عبارات وصفية تحتمل الاستحباب.
- اجعل لكل مصطلح معرّف معنى واحداً، ولا تبدله بمرادفات في مواضع أخرى من العقد.
- حدد المدد بأيام معلومة، وبيّن هل هي أيام تقويمية أم أيام عمل، ومن أي واقعة تبدأ.
- تجنب الإحالة إلى مستندات خارجية غير مرفقة أو غير محددة النسخة.
- اكتب الأرقام بالحروف والأرقام معاً في المبالغ الجوهرية.
- رتّب البنود ترتيباً منطقياً يسهل الإحالة إليها برقم البند.
وإذا كان أحد الطرفين أجنبياً واقتضى الأمر نسخة بلغة أخرى، فاحرص على أن تُراجع الترجمة مراجعة قانونية لا لغوية فقط، لأن بعض المصطلحات لا تحمل الأثر نفسه في النظامين.
قائمة مراجعة قبل التوقيع
- هل الأسماء والسجلات وصلاحيات التوقيع صحيحة ومطابقة للمستندات الرسمية؟
- هل التعريفات مستخدمة بالمعنى نفسه في كل العقد؟
- هل المحل والمقابل والمواعيد محددة بدقة قابلة للقياس؟
- هل الشرط الجزائي متناسب، وحدود المسؤولية متسقة معه؟
- هل بنود الإنهاء وآثاره واضحة لكل طرف؟
- هل جهة تسوية النزاع والقانون الحاكم محددان دون تعارض؟
- هل الملاحق مرقمة ومشار إليها في صلب العقد؟
- إذا كان العقد بلغتين، فأي النسختين هي المعتمدة عند الاختلاف؟
أخطاء شائعة في صياغة العقود التجارية
- نسخ بنود من عقود أجنبية لا تتلاءم مع الأنظمة المحلية أو مع طبيعة الصفقة.
- استعمال ألفاظ مطاطة مثل «في أقرب وقت» أو «بجودة مناسبة» دون معيار قابل للقياس.
- وجود شرطين متعارضين لتسوية النزاع، كأن يُنص على التحكيم في موضع واختصاص المحاكم في موضع آخر.
- إغفال آلية تعديل العقد، فيُحتج لاحقاً بتعديلات شفهية أو مراسلات غير واضحة.
- التركيز على بنود الربح وإهمال بنود الخروج من العلاقة.
ويمكن للمكتب أن يسرّع هذا العمل دون التنازل عن الدقة؛ فأداة الصياغة القانونية في عدالة تساعد على إعداد مسودة أولى منظمة للعقد واقتراح بنود مناسبة لنوعه، ليتفرغ المحامي لما لا تستطيعه الأدوات: فهم الصفقة، والتفاوض، ومراجعة كل بند في ضوء مصلحة موكله والنظام الساري.
العقد الجيد يُكتب بعين على الحاضر وعين على أسوأ الاحتمالات. وكلما كانت البنود الجوهرية واضحة ومتسقة، قلّت حاجة الأطراف إلى المحكمة، وهذا في ذاته أفضل خدمة يقدمها المحامي لموكله.
تنبيه: هذا المقال للتثقيف القانوني العام ولا يُعد استشارة قانونية. تختلف الأحكام باختلاف الوقائع وتعديلات الأنظمة، فراجع النص النظامي الساري أو محامياً مختصاً قبل اتخاذ أي إجراء.